ابن قيم الجوزية
286
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
ومن زعم أن اللّه سبحانه وتعالى شاء لعباده الذين عصوه وتكبروا الخير والطاعة وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللّه تعالى ، وأي افتراء على اللّه أكبر من هذا ؟ ومن زعم أن الزنا ليس بقدر قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا وجاءت بولد هل شاء اللّه عز وجل أن يخلق هذا الولد وهل مضى في سابق علمه ؟ فإن قال لا فقد زعم أن مع اللّه خالقا وهذا الشرك صراحا ، ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره وهذا صراح قول المجوسية بل أكل رزقه الذي قضى اللّه أن يأكله من الوجه الذي أكله ، ومن زعم أن قتل النفس ليس بمقدر من اللّه عز وجل فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله ، وأي كفر أوضح من هذا ؟ بل ذلك بقضاء اللّه عز وجل وذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم وما جرى من سابق علمه فيهم وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة * ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء في حديث ولا بنص الشهادة ولا نشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء على ما روى ولا بنص الشهادة والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا نخرج عليهم ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة ، والجهاد ، ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء ، ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم عدلوا فيها أو جاروا والانقياد لمن ولاه اللّه عز وجل أمركم لا تنزع يدا من طاعته ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل اللّه لك فرجا ومخرجا ، ولا تخرج على السلطان وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعته فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة ، وإن أمرك السلطان بأمر فيه للّه معصية فليس لك أن تطيعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه والإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب احترامها ، فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك ، ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان ولكن اكفف لسانك ويدك وهواك * واللّه المعين * والكف عن أهل القبلة فلا تكفر أحدا منهم بذنب ، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء ، وما روى فتصدقه وتقبله وتعلم أنه كما